ابن تيمية

40

مجموعة الرسائل والمسائل

قالت هذه الطوائف : ونحن بهذا الطريق علمنا حدوث العالم فاستدللنا على حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث ولا تسبقها ، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث ، ثم من هؤلاء من ظن أن هذه قضية ضرورية ولم يتفطن لإجمالها . ومنهم من تفطن للفرق بين ما لم يسبق الحوادث المحصورة المحدودة ، وما يسبق جنس الحوادث المتعاقبة شيئاً بعد شيء ، أما الأول فهو حادث بالضرورة لأن تلك الحوادث لها مبدأ معين فما لم يسبقها يكون معها أو بعدها وكلاهما حادث . وأما جنس الحوادث شيئاً بعد شيء تنازع فيه الناس ، فقيل أن ذلك ممتنع في الماضي والمستقبل كقول الجهم وأبي الهذيل ، فقال الجهم : بفناء الجنة والنار . وقال أبو الهذيل : بفناء حركات أهلهما ، وقيل بل هو جائز في المستقبل دون الماضي لأن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل ، وهو قول كثير من طوائف النظار . وقيل بل هو جائز في الماضي والمستقبل ، وهذا قول أئمة أهل الملل وأئمة السنة كعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما ممن يقول بأن الله لم يزل متكلماً إذا شاء ، وإن كلمات الله لا نهاية لها وهي قائمة بذاته وهو متكلم بمشيئته وقدرته . وهو أيضاً قول أئمة الفلاسفة ، لكن أرسطو وأتباعه مدعون ذلك في حركات الفلك ويقولون إنه قديم أزلي ، وخالفوا في ذلك جمهور الفلاسفة مع مخالفة الأنبياء والمرسلين وجماهير العقلاء ، فإنهم متفقون على أن الله خلق السماوات والأرض بل هو خالق كل شيء وكل ما سوى الله مخلوق حادث كائن بعد أن لم يكن . وأن القديم الأزلي هو الله تعالى بما هو متصف به من صفات الكمال وليست صفاته خارجة عن مسمى اسمه ، بل من قال عبدت الله ودعوت الله فإنما عبد ذاته المتصفة بصفات الكمال التي تستحقها ويمتنع وجود ذاته بدون صفاتها اللازمة لها . ثم لما تكلم في النبوات من اتبع أرسطو كابن سينا وأمثاله ورأوا ما جاءت به الأنبياء من أخبارهم بأن الله يتكلم وأنه كلم موسى تكليماً وأنه خالق كل شيء ،